طفولة متأتئة

October 20 2017


 

حجم قوتها واصرارها مُستمدة من حجم معاناتها مع التأتأة..
شيهانة المتروك هنا ترفع رأسها بعد أن كانت تحنيه خجلا ًلتقول للجميع أنا هنا وإليكم كيف أثبت نفسي وإلى أين وصلت..
=======================================
 
 
منذ أن أصبحت أذكر وانا أتذكر كل المواقف التي إنحبس الكلام في داخلي ولم أستطع التعبير عنه  خاصة عند إنفعالي أو شعوري بالحزن , ولم أكن أعرف ما السبب إلا بعد أن كبرت وأصبحت والدتي تلاحظ تلعثمي اليومي في كل جمله أنطقها . فقررت أخذي لعيادة التخاطب والسمع لعل الأمر يتضح لي ولها.
دعوني أولا أحدثكم عن مرحلة ماقبل البحث عن علاج ويومياتي في المدرسه الإبتدائيه.
لأنني الإبنه الوحيده , كانت والدتي حريصه على تعليمي في وقت مبكر فألحقتني بالمرحله التمهيديه وانا بعمر 4 سنوات وكانت قد لاحظت مشكله إنحباس الكلام لدي, فكانت تخبر المعلمات قبل بدايه كل سنه بمشكلتي في الكلام وتطلب منهم عدم إجباري بالمشاركه الشفهيه امام الطالبات منعا لإحراجي . ربما هذا كان سبب عشقي للمدرسه وتفوقي في جميع المواد وخاصة العلميه, حيث لم تكن المدرسه مكان منفر. أغلب المعلمات وليس كلهن كن متفهمات لحالتي ولا أذكر منهن أي سخريه أو نظرات دونيه.  وبالرغم من البيئه الصحية والداعمه والمحتوية  في المنزل على وجه الخصوص, إلا أنه كان الامر صعب جدا بالنسبة إلي أن أتقبل ذاتي و أنا شخص متأتأ  أو أفهم سبب إنحباس الكلام في بعض المواقف.
 في  المرحلة ماقبل الجامعه و لأنني كأي طالبه متفوقة  أريد أن أشارك و اُعبر و اتكلم بكل طلاقة داخل الفصل لأني اعرف كل الإجابات لأسئلة الدرس ولكن بسبب خوفي من التأتأه كنت أفضل عدم المشاركة. كانت امنيتي الوحيده  آن ذاك أن أشارك في الإذاعه المدرسيه, ولكني كنت أسمع و أرى أمامي همزات و نظرات توحي بالسخرية مني بسبب تأتأتي من قبل بعض الطالبات في كل مرة أحاول فيها الوقوف في الفصل وقراءه شيء من مادة المطالعة او تسميع سور من القرأن الكريم , مما جعلني أعدل عن المشاركات و أضيق نطاق تعاملاتي داخل الفصل, وأكتفي بعدد محدود من الزميلات اللطيفات. ربما عزائي الوحيد آنذاك عندما كنت أعتلي مسرح الإذاعة المدرسية مرتين كل عام ولكن ليس لإتحدث لطالبات إنما لأكرم أمامهن كطالبة متميزه, كان بمثابة در الإعتبار لي أمامهن.
لازلت أذكر جيدا  أن مستوى التأتأه زاد بشكل ملحوظ في المرحلة الثانوية, مما دفعني و والدتي للبحث عن علاج لها قبل دخولي للجامعة حيث التحديات الكبيرة. ولأنني كنت أطمح لتخصص طبي وهذا يتطلب مني إيجاده للغة الإنجليزية تحدثا قبل الكتابه , لذلك كان لابد من التخلص من حبسة الكلام أولا.
الإنتقال للجامعه:
حضرت جلسات علاجية لمده ثلاثة أشهر وتحسنت بنسبة كبيره ولله الحمد والمنة, فتغيرت حياتي للأفضل, وأصبحت اكثر نشاطا ومشاركة في المدرسة فتخرجت من الثانوية بنسبة عالية أرضت طموحي. تخصصت في الأحياء الدقيقة لشغفي بالخيال العلمي واللذي يتمثل لي في البكتيريا والفيروسات . كان التحول صعب جدا وبطيء وكانت التحديات كبيرة ومستمره خاصة لتزامنها مع إنتقالي للمرحلة الجامعية.  كانت قفزات كبيرة و مجهدة جدا لكسر حاجز الخوف الذي بنيته لفتره ليست بالقصيرة, قررت معها  أن أسمع الناس صوتي وإن كنت أتأتأ.  إستمريت في رفع سقف التحديات فأرتفع معه سقف الطموحات. أخفقت مرات عديدة بسبب الخوف ونقد الآخرين , ولكن عزائي الوحيد كان شرف المحاولة و إعادة تقييم ثقتي بقدراتي الكلامية .أكبر تحدي آن ذاك كان التحدث للجمهور  وإلقاء عروض تقديمية أمام الطالبات وأعضاء هيئة التدريس . أخفقت كثيرا  لأن الخوف من التأتأه كان يقيدني , ولازلت أذكر  كل المواقف المؤلمه بكل تفاصيلها المحبطه , ولكن لضيق الوقت سأذكر لكم واحدا منها و لا يغيب عن ذاكرتي أبدا : كنت في السنة ماقبل الأخيرة في الجامعة  وذهبت لمكتب إحدى الدكتورات في القسم لاناقش معها العرض التقديمي الذي سأقدمه في اليوم التالي , ولانني كنت أتأتأ كثيرا بسبب توتر ماقبل الإلقاء , وكانت هي قليلة صبر , نصحتني بسخرية أن لا أقدم العرض التقديمي وأن أعرض عن الفكرة لأن الوقت ضيق ولن يسعفني لأبدا حتى بالمقدمه وانا أتحدث بهذا الشكل !! و طلبت مني مغادرة المكتب لأنها مشغولة بأبحاثها!  لن أصف شعوري لكم وقتها! لأنكم مهما حاولتم ان تصلوا لأقصى نقطة الالم التي وصلت إليها, لن تستطيعوا فعل ذلك , لن يفهم شعوري إلا شخص متأتأ خاض تجارب مشابهه!وما اكثرها . شعور التهميش والدونية و السخرية من مسوؤل إستعلى مؤلم جدا! ساترك لكم التعليق هنا..
كنت احاول أكثر و أجتهد أكثر في كسر حاجز مخاوفي ,لأول مرة رشحتني دكتوره كانت قريبة جدا لنفسي لامثل طالبات القسم وأكون حلقة الوصل بينهم و بين الإداره في الجامعة, وهذا كان يتطلب حديثا في بعض المناسبات والملتقيات في الجامعه, كنت أعاني كثيرا قبلها من الخوف لكن كان لها دورا كبيرا في تعزيز ثقتي في نفسي.

استمرت رحلة كسر  المخاوف مع لكثير والكثير من الإخفاقات الى أن سيطر علي الخوف مرة آخرى.. بسبب قرب تخرجي .. وربما المتأتأين هنا سيفهمون لماذا يعود الخوف وتزيد التأتأه بين وقت وآخر, بسبب التغيرات التي تطرا على حياتنا. فكنت آلاحظ أن وضعي يسوء عند إنتقالي من مرحلة لآخرى او أي تغير يطراء على حياتي. وفي كل مره تزيد حالتي سوءا أضطر للعوده للجلسات العلاجية
رحلة البحث عن عمل:
تخرجت من الجامعة بمعدل عال والكثير من الخبرة العمليه في المختبرات الطبية  , وذلك بسبب الفترات التدريبيه  في الإجازات الصيفية خلال فترة دراستي الجامعيه. حيث أني كنت أعمل في فترة الصيف في إحدى المستشفيات كمتدربة ومن خلالها إكتسبت خبره عمليه. تقدمت لوظيفتين كأخصائي مختبرات ورفضت بسبب التأتأه! لازلت أذكر سؤال أحد اعضاء اللجنه في إحدى المقابلات عندما سألني هل تعانين من مرضا؟؟ قلت لا فقط مشكلة في الكلام! عاد ليؤكد لي أنها مرضا وليست مشكله!!
  اما في الثالثه فنجحت في إخفائها أثناء المقابلة الشخصية بعد جهد مضني وقبلت. عملت لمده عام في المختبرات الطبية, إكتسبت خبرة عمليه وأشياء أخرى كان أهمها تطوير لغتي الإنجليزيه  وهو ما يعتبر تحدي آخر لمتأتأه
ولكن لأني كنت شغوفه جدا بعالم الفيروسات ولأنه لم يكن هناك مختبرات متقدمه في تشخيص الفيروسات الطبية , بدأت أفكر في إكمال دراستي العليا في هذا التخصص الدقيق وإشباع هذا الشغف! لم يكن التخصص موجود حتى في جامعات الداخل, لذلك كان الخيار الوحيد هو الإبتعاث الخارجي. وهنا أصبحت امام مفترق طريق, مخيره بين وظيفه مضمونه أثبت جدارتي من خلالها وفرص ترقية تنتظرني وبين تقديم الإستقالة و معانة المجهول في السفر و تحقيق حلم طال إنتظاره!
مرحلة التفكير وإتخاذ القرار والإنتقال أثرت كثيرا على مستوى تأتأتي فزادت بشكل ملحوظ. أتخذت القرار بتوفيق من الله وفضل , وغادرت لبريطانيا , وحصلت على درجة الماجستير في تشخيص الفيروسات الطبيه وكان وقتها تخصص جديد في جامعة مانشيستير ولم يقبل به  إلا خمسة طلاب فقط!
لا زلت أتذكر إنبهاري بالمختبرات المتخصصه والمتقدمه في أول الأيام , ولازلت أذكر كيف كنت أقضي وقت إضافي على كل جهاز بشغف لأفهم فكره عمله وأبحث عنها! فقد كانت دراستي عن الفيروسات في مرحلة ماقبل الماجستير نظريه بحته ولم اقم باي مشروع بحثي او تجربه عملية عنها!
مشروع التخرج ( Dissertation (:
لأن عدد الطلاب كان 5 فقط! فكانت مواضيع مشروع التخرج موزعه على 5 انواع من الفيروسات , إخترت فيروس إلتهاب الكبد والوبائي ج HCV
لعدة أسباب كان أهمها  إرتفاع نسبة الإصابه به بشكل كبير في الشرق الأوسط وتحديدا مصر. و مع البحث والتعمق في جوانب هذا الفيروس العجيب إزداد شغفي لمعرفه المزيد عنه فوجدت في  فرصة  الدكتوراه إشباعا لهذا الشغف.
لم تكن مرحلة الماجستير سيئه بالنسبه لتاتأه, لاني لم أتعرض لتحديات كبيره على مستوى الحديث , فكان عدد الطلاب قليل جدا والتحدث امامهم خلال جلسات النقاش العلمي او المحاضرات لم يكن يشكل أي قلق بالنسبه لي, ايضا كنت أقضي جل وقتي في المختبرات لا أتحدث لأحد. كانت من اجمل مراحل حياتي واكثرها إنجازا وأقلها إخفاقا..
 
التحدي الكبير:
كانت نتائج بحثي الاولية في مرحلة الدكتوراه مبشره لمشرفي الدراسي ومصدر فخر له عند زملائه , ولكنها كانت مصدر قلق و بدايه معركه جديده مع التأتأه! فقد كان مشرفي  يطلب مني عروض تقديميه في حلقات النقاش العلميه الخاصة بالقسم والتي تكون بشكل دوري ويحضرها عدد كبير من طلبه الدراسات العليا والباحثين. برغم من معرفته المسبقه بمشكله التاتأه إلا انه كان لايراها عائقا أبدا بل يحثني على المواجهه. ولكن الخوف كان يسيطر علي ولازلت أذكر في إحدى الإجتماعات عندما وقفت لأتحدث للجمهور إنحبس الكلام و فشلت كل المحاولات لإخراج الكلمات من فمي فوقت صامته  وتركت لهم العرض التقديمي ليقرأوه دون أن أتحدث لهم!
هنا أدركت أني قد بلغت أسوء مراحل التأتأه وأشدها.كانت فتره صعبه جدا شعرت بأشد درجات الإحباط، رثيت نفسي, إعتقدت أنه لا سبيل للوقوف بعد هذه العثرة. خاصة ان الموقف حصل امام كبار الباحثين في المجتمع العلمي. فكان لابد من البحث عن طريقه جديده وعلاج .فكرت بالتأجيل او التوقف عن الدراسه لفتره ولكن أي منها لن يغير من واقع شيء! و كان لا يفارق لساني هذا الدعاء
( اللهم اشرح صدري و يسر أمري و أحلل العقدة من لساني يفقه قولي), فيسر لي الله سبحانه وتعالى برنامج علاجي عثرت فيه على ضالتي يدعى ( مشروع ستارفيش) 
تحسنت معه بنسبه 90% ولكنه يتطلب جهد يومي وممارسه لطريقه تحدث وتنفس معينه , شعرت معه بتحسن مستمر والاهم من ذلك ثابت بدون أي إنتكاسات إلى يومنا الحاضر ولله الفضل كله.
عادت حياتي بعده لتوازنها و  زادت ثقتي وسعادتي بمشاركتي العلميه  داخل الجامعه و خارجها. نشرت جزء من بحثي بدعوه من مجله  Future virology
 وتم وضعه على غلاف العدد ضمن اهم 3 أبحاث منشوره.
لم يكن ايا من هذا إنجازا كبيرا بالنسبه لي في مجال شغفي , ولكن  الإنجاز الحقيقي والذي شعرت مع بقيمه العطاء و مشاركة العلم كان عندما  إستثمرت ما تعلمت في مجال مكافحه الفيروسات في حملتي التي أطلقتها من حسابي الشخصي في تويتر  مؤخرا بعنوان #ضد_كورونا والتي كان الدافع لها هو الهلع الذي سببته الأخبار المتداولة والخاطئة عن فيروس كورونا، منذ ان  بدأ في التفشي و الظهور في المملكه.
شعرت أن دوري كباحثه لا يقف فقط عند إكتشاف النتائج ولكن هناك دور آخر لي وهو دور وطني بالمقام الاول من خلال تفنيد الشائعات حول هذا الفيروس و تصحيح المفاهيم الخاطئه ,  والوقوف مع الجهات المعنيه والمساهمه في رفع وعي المجتمع و تطمينه بأن وضع الفيروس ليس بحجم الهلع المتداول في الإعلام.
الفرحة الأكبر عندما لمست تفاعل كبير ,تواصل معي معلمون وأخصائيو مختبرات من داخل المملكه ، لتزويدهم بالماده العلميه الصحيحه في التوعيه  ونظموا ورش عمل لطلابهم ومن يهمهم الامر.
 
رسالة لكل أصدقائي المتاتأين الشجعان
اليوم الخميس 22/ 10/ 2015 هو اليوم العالمي لتاتأه ولكم أصدقائي اقول :
-          الله سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين , التأتأه ليست نقمه بل نعمه عظيمه تخفي وراها خيرا كثيرا وطاقه إبداعيه خلاقه, فقط كونوا صبورين.
-          لا يمكننا التخلص منها للأبد ولكن يمكننا  ان نتعايش معهاو واول خطوه هي تقبل ذواتنا و الشعور بالفخر والتميز
-          لا تكن التاتأه سبب في إعراضك عن تحقيق حلمك الكبير الذي طالما عشت لأجل تحقيقه أيا كان
-          لا مانع من الإخفاق مرات عديده و ولكن تذكر انه لم يخلق شخص ناجح بدون بدايات ومحاولات مضنيه ومتعثره.
-          أسمع الناس صوتك, ولا تخف ولا تقف مكتوف الأدي , حاول , يكفيك شرف المحاولات وإن فشلت
-          لا مستحيل مع التوكل على الله والاخذ بالأسباب
-          شارك الناس افكارك واحلامك و لا تنزوي بعيدا  , تحدث عن التاتأه بكل فخر
-          كل عام وانتم طيبون ورائعون وكونوا بخير دوما.
 
شيهانه المتروك
باحثه دكتوراه في الفيروسات السرطانيه
كليه الطب
جامعه مانشيستير
بريطانيا